يحكى أن أطفال القرية الرضع، يختفون الواحد تلو الآخر، طفلاً كل أول شهر من أشهر الربيع، تقول الجدّات أن شهية الغولة تزداد مع بداية الربيع، وتخمل مع اقتراب الصيف فالغولة تنام في الخريف والشتاء، ويقول كبير القرية أن الأبواب لا تمنع الغولة من الدخول , التوافد الصغيرة تتسع لها، ويقال أيضاً أنها إذا لم تستطع الدخول، فإنها تغوي الأطفال للخروج إليها، لا يعرف احدٌ كيف، لكن تقول الجدات في القرية الصغيرة، أن الأمر عقوبةٌ من السماء، أنهم قبل سنين قاموا بردم بئر الولي الصالح الشيخ فلان ولد فلان الفلاني، لأن أطفال القرية يقعون فيه، فلا حاجة إليهم به مذ عادت أمطار السماء للهطول، وامتلأت البحيرة ماءً وكذلك كل (فسكيّات = أبار) أهل القرية، ما عدا فسكيّة الحاج حبيل، فلسوء حظه لم يكن مستعداً لهطول المطر حين نزوله، واضطره الأمر الى شراء الماء ليروي عطشه وعطش زوجته.
وبقي رجال القرية الحائرة يطوفون بحثاُ عن تعويذةٍ، ساحر يعرف كيف يطرد الغيلان، أو فارسٍ يصطادها ، فلقد أقبل الربيع للسنة العاشرة على التوالي، وللمرة العاشرة يختفي ثلاث صبيةٍ، صبيّان وفتاة، فلا تميّز الغولة بين الجنسين، هكذا أكدّت عجائز القرية.
(لقد بلغ البل الى الذقن) قال الحاج حبيل، فلقد اختفى ابنه سعيد، ولحق بشقيقه الأكبر مسعود، اللعنة يبدو أن العلّة هي الاسم، فمذ ظهور الغولة، وأسماء أطفالها مرعبةٌ منفرة، حتى أن أحدهم سمى ابنه (مسردن) حتى تبتعد الغولة عن بيتهم، (لكن يبدو أن الخطة لا تنجح دائماً، ولا يسعف الحظ صاحب الاسم الكريه، ففي العام المنصرم كان ابن الجيران (محنكل) من ضحايا الغولة) قال الحاج حبيل.
ويحكى أن الحاج التقى بعرّاف أتى القرية قاصداً بيت الغولة أو هكذا قيل، (لكن ما الذي يفعله جوار دارنا) قال الحاج حبيل، فهو يداوم النوم تحت سور البيت القصير، لقد سمع الجميع عنه، تقول عجائز القرية أن هذا العراف التقى الغولة ذات مرّة ومنعها من أن تلتهم ابنته الرضيعة، قبل أن تهاجر ناحية قريتهم الوديعة، تقول عجائز القرية أنه يعرف طبّها.
سعى الحاج حبيل نحو العراف سائلاً إياه عن سبب ملازمته لسور بيتهم، لا أملك أطفال قال له، ولا أعتقد أنها ستعود الى بيتنا، لقد أخذت سعيد ومسعود، فلم الجلوس هنا، (بل هي الرائحة) أجابه العرّاف ، دماء الأطفال برائحة الورد تقول عجائز القرية.
وذهب العام الأول وتبعه الثاني، وامتنع أهل القرية عن الإنجاب، هكذا قالت لهم عجائز القرية (ما لم يكن هنالك أطفال هنا، سترحل الغولة بعد أن يؤلمها الجوع)، لكن الأمور لم تسر على ما يرام، فالأطفال يأتون من السماء، ولا أحد يملك القدرة على قطع الطريق التي توصلهم الى الأرض، (ذبح الطفل في رحم أمّه، كذبح الملاك في بيته السماوي) صاحت إحداهن بعد أن سمعت بميلاد طفلٍ أسماه الحاج حبيل (سعد الله)، لن تأخذه الغولة مني، قال الحاج حبيل، وأسرع ناحية العراف يسأله (هل وجدتها)، (لم أزل أشم فقط الرائحة) أجابه العراف.
أعطى العراف الحاج حبيل مرآةً بحجم الكف، (سقطت من خراجٍ كان بيد الغولة وهي تفر من أمامي عندما التقيتها قبل مائة عام) قال له، (ضعها جوار طفلك ونم، يقال أن لكل غولةٍ مرآة هي مسكنها تنام داخلها حتى قيام الساعة ولا يخرجها منها إلا أحمق) أضاف قائلاً، وهكذا فعل الحاج حبيل، وضع المرآة جوار مهد طفله وأخبر زوجته أن تبقى بعيداً عنه الليلة، فقد نصدق نبوءة العراف.
ويحكى أن الحاج حبيل استيقظ من نومه صبيحة اليوم الموالي، ووجد ابنه سعد الله يحبو ناحية المرآة الواقعة خارج المهد، لكنه لم يجد زوجته !!، وتقول عجائز القرية أنه مذ اختفت زوجة الحاج حبيل لم تعد الغولة للظهور إلا في كوابيس الصغار.
===
من بادئات القصص الشعبية الليبية الأمازيغيّة، نص القصة من تأليف الكاتب سيفاو الجادوي ضمن مجموع قص للصغار مكتوب باللغة الأمازيغيّة وهذا نصٌ مترجمٌ له.